التعليم والإعلام والإستدامة

المقدمة
*الإنسان أولاً في مشروع الاستدامة الشامل
*الاستدامة مشروع إنساني يتخطى حدود البيئة
*التعليم المستدام طريق الإنسان للحرية
*الإعلام قوة تعيد تشكيل الوعي الجمعي في زمنٍ مُثقل بالأسئلة المعلّقة أكثر من الإجابات، يبرز صوتٌ أنثوي من قلب العالم العربي ليعيد ترتيب النقاش حول الإنسان ومحيطه، حول جدلية التعليم والإعلام، وحول الاستدامة بوصفها مشروع هوية قبل أن تكون خطة تنموية. صوتٌ لا يكتفي بالبحث الأكاديمي، بل يتوغّل في صلب الاقتصاد والمعمار والبيئة والسياسة، كما لو أنّه يحاول ترميم ذاكرةٍ جمعية تتصدّع في عالمٍ سريع التغيّر. ذلك هو صوت الدكتورة ميرفت إبراهيم، الباحثة في الإعلام والاستدامة، التي جعلت من مشروعها الفكري ساحةً لمساءلة كل ما يهدّد إنسان اليوم: من أزمة المياه والطاقة، إلى سؤال المسؤولية المجتمعية ودور الإعلام في صياغة مستقبلٍ صحي مستدام.
منذ بداياتها، وضعت ميرفت التعليم في قلب هذا المشروع. لم تره سلّماً اجتماعياً إلى الوظائف وحسب، بل عمارة إنسانية شاملة، قادرة على إعادة تشكيل الوعي وبناء الإنسان. فالمجتمع، في نظرها، حين يستثمر في عقول أبنائه لا يخرّج كفاءات تشغيلية فحسب، بل يصوغ ثقافة متينة تستطيع مواجهة تحوّلات كبرى. لذلك يتردّد في كتاباتها دائماً أنّ التعليم ليس تلقيناً بل توسيع لأفق الحياة، ممارسة يومية تجعل من المعرفة طريقاً للانفتاح لا جداراً للعزلة. وكما لا تُقاس المدن بارتفاع أبراجها، بل بمدى صلاحيتها للعيش، فإن المجتمعات لا تُقاس بالنمو الاقتصادي وحده، بل بقدرتها على تهيئة فضاءات تعليمية تُعيد الإنسان إلى مركز معادلة التنمية. الإعلام جسر إنساني وعندما تتحدث عن "التعليم من أجل التنمية المستدامة"، فهي لا تقصد إدخال بعض المفاهيم البيئية في المناهج كتجميلٍ عابر، بل تدعو إلى إعادة هندسة العلاقة بين المعرفة والوجود ذاته. أن يتعلم الطفل كيف يقرأ الشجرة كما يقرأ النص، وأن يفهم تدفق الماء كما يفهم جملةً لغوية. فـ الاستدامة هنا ليست شعاراً بيئياً، بل إيقاع حياة، تعلّمٌ مستمر يفتح أبواب المستقبل ويُعلّم الإنسان التوازن بين ما يستهلك وما يترك للأجيال. في قطر، حيث تعيش وتعمل ميرفت، ينهض العمران بوتيرة مذهلة: أبراج زجاجية تلمع في قلب الصحراء، مدن ذكية تُبنى وفق معايير الاستدامة، شبكات طرق متشابكة تواكب الطموحات الاقتصادية. لكنها ترى في هذه البنى أكثر من حجارة وحديد، فالمكان ـ في تصورها ـ كائن حيّ يحتفظ بذاكرة الناس وأحلامهم. العمارة ليست مجرّد شكل بصري بل هوية متجسّدة، تماماً كما أنّ الإعلام ليس مجرّد مرآة عاكسة، بل قوة قادرة على صياغة الواقع وإعادة تشكيله. تقول ميرفت في كتابها "دور الإعلام في بناء مستقبل صحي مستدام" إنّ الإعلام ليس أداة نقلٍ محايدة، بل مسؤولية تشبه مسؤولية الطبيب والمعماري والمعلّم. الكلمة قد تطمئن مريضاً أو ترعب سليماً، قد تُشعل حرباً أو توقظ ضميراً. لذلك يصبح الإعلام، في زمن الشائعات والفيضانات الرقمية، صمّام أمان أخلاقي يحمي الوعي الجمعي من التسمّم. لقد أثبتت جائحة كوفيد-19 هذه الحقيقة: لم يعد معنى الصحة محصوراً في ضغط الدم ونبض القلب، بل اتّسع ليشمل المعلومة الموثوقة، الخطاب المتوازن، والقدرة على الاحتواء الاجتماعي. وبين التعليم والإعلام، يتجلّى البعد الأعمق لمشروعها: الإنسان. فهو الغاية والوسيلة، وهو الرابط بين الاستدامة كفلسفة حياة، وبين التنمية كخيار سياسي واقتصادي. من هنا تبدو دعوتها إلى عقدٍ اجتماعي جديد يتأسس على ثلاثة أعمدة: تعليم يفتح الأفق، إعلام يحمي الضمير، ومؤسسات تتحمل مسؤوليتها المجتمعية في التنمية. إنّها رؤية لا تكتفي بالتنظير، بل تنبض ببُعد نفسي واجتماعي يقرّبها من القارئ: فالتعليم في جوهره حماية للذاكرة، والإعلام في عمقه علاج للجماعة، والبيئة المستدامة في حقيقتها حفظٌ للروح قبل أن تكون صوناً للمادة. وهكذا، يصبح مشروع ميرفت إبراهيم محاولةً لإعادة صياغة العلاقة بين الفرد ومحيطه، بين المدينة وأهلها، بين الكلمة والحياة ذاتها. بهذا المعنى، لا يعود صوتها مجرّد خطاب أكاديمي، بل دعوة للإنصات إلى نبض الإنسان، في زمن يهدّده الضجيج أكثر مما تنقذه التقنية. إنها تذكّرنا بأن المستقبل ليس قدراً مظلماً، بل احتمال يمكن صياغته، شرط أن نملك الجرأة على التعليم المستدام، والإعلام المسؤول، والاقتصاد الأخلاقي، وأن نؤمن بأن الإنسان، لا الربح ولا التقنية وحدها، هو الغاية والوسيلة. حين تربط الدكتورة ميرفت إبراهيم بين العمارة والإعلام، فإنها لا تفعل ذلك اعتباطاً، بل تكشف عن توازٍ عميق بين المجالين: فكلاهما يُبنى على الرؤية والانسجام والبعد الإنساني. فإذا اختلّ أحد هذه الأركان ضاعت البوصلة؛ كما يمكن لبرجٍ زجاجي شاهق أن يتحول إلى كتلة باردة بلا روح، يمكن للإعلام أن ينزلق إلى ضجيج أجوف بلا رسالة. هنا تتضح حقيقة قولها: "الإعلام ليس مرآةً للواقع فحسب، بل صانعه". قد تبدو العبارة للوهلة الأولى تصريحاً عادياً، لكنها في عمقها تحمل ثورة معرفية تعيد تعريف وظيفة الإعلام في عالم تتلاطم فيه الأصوات وتتصدّع فيه المعاني. لقد اعتدنا أن ننظر إلى الإعلام كقناةٍ ناقلة للأحداث، أداةٍ حيادية تعرض الوقائع كما هي. لكن ميرفت تذهب أبعد من ذلك: الإعلام في منظورها معمار رمزي يُعاد من خلاله بناء الواقع. الكلمة نفسها تتحول إلى قوة مزدوجة؛ قد تبعث الطمأنينة في نفس مريض، أو تنشر الذعر بين الأصحاء؛ قد توقظ الضمير أو تشعل الحروب. وفي زمن السوشال ميديا، حيث تختلط الحقائق بالشائعات، يصبح الإعلام بمثابة فلتر أخلاقي يحمي الوعي الجمعي من التسمّم، ويصون العقل من التلاشي في الفوضى. الجائحة العالمية الأخيرة جاءت لتمنح هذا التصور بعده العملي. فبينما كان الفيروس يفتك بالأجساد، كان الإعلام يُعيد تعريف معنى الصحة. لم تعد الصحة مجرد مؤشرات جسدية تُقاس بضغط الدم أو عدد ضربات القلب، بل صارت ترتبط بالثقة والخطاب المتوازن والقدرة على الاحتواء الاجتماعي. وهنا تبرز تجربة قطر التي رصدتها ميرفت: لم يكن نجاحها في مواجهة الأزمة نجاحاً طبياً فحسب، بل كان أيضاً ثمرة لخطاب إعلامي وثقافي جعل الإنسان في صميم الأولويات. فالدواء يعالج الجسد، لكن الكلمة الموزونة تمنح الأمان وتبني جسور الثقة بين الفرد ومجتمعه. وفي قلب مشروعها، يبرز الاقتصاد لا كمعطى منفصل بل كجزءٍ متصل بالثقافة والهوية. فهي تدير مصنعاً لتدوير الإطارات المستعملة وتحويلها إلى منتجات نافعة: من الإسفلت المطاطي الذي يقلّل الحوادث إلى مواد صديقة للبيئة تُستخدم محلياً وتُصدّر للخارج. في هذا المثال العملي تتجسد رؤيتها: الاقتصاد المستدام ليس أرقاماً في الميزانية، بل توازن حيّ بين الربح وحماية البيئة وخدمة المجتمع. مستقبل بلا تبعية هذه النظرة تنقلنا إلى مفهوم المسؤولية المجتمعية الذي تطرحه ميرفت كشرط وجودي للمؤسسات. فبينما تسعى الكثير من الشركات إلى رفع شعار المسؤولية كأداة تسويق، تدعو هي إلى جعلها ممارسة حقيقية واستراتيجية طويلة الأمد تحفظ القيم الأخلاقية وتدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في آن. وتوضح الفرق بين "المسؤولية الاجتماعية" التي غالباً ما تُفهم كسلوك أخلاقي فردي، وبين "المسؤولية المجتمعية" التي تجعل المؤسسة شريكاً فاعلاً في صناعة التنمية. ومع تراجع أدوار الحكومات في بعض المجالات، بات على المؤسسات أن تملأ هذا الفراغ لا من باب الإحسان، بل لأن بقاءها ذاته مرهون بقدرتها على التفاعل مع محيطها. ومن هنا، ترى ميرفت أنّ المؤسسة التي تُهمل البيئة أو تُلحق الضرر بالمجتمع، حتى لو حققت أرباحاً آنية، هي في الجوهر مؤسسة خاسرة. فالمقياس لم يعد مالياً فقط، بل إنسانياً وأخلاقياً. أما في ما يتصل بالصحة، فإن خطاب ميرفت يذهب إلى أبعد من حدود الجسد. فالصحة، كما تقول، ليست غياب المرض بل حضور الحياة في أبعادها كافة: جسداً ونفساً وسلوكاً وفكراً. ولهذا تحذّر من أنماط الاستهلاك الحديثة التي باتت تشكّل خطراً صامتاً: الأغذية السريعة، ساعات الجلوس الطويلة أمام الشاشات، العزلة الرقمية. هذه ليست مجرد عادات سيئة، بل بنى ثقافية تُعيد تشكيل العقل والجسد معاً. في مقاربتها، تتحول الرياضة إلى ممارسة وجودية بقدر ما هي جسدية: احتفاء بالحياة وتجديد للذاكرة الجسدية التي تربط الإنسان بالطبيعة. أما البيئة الصحية والهواء النقي فليسا ترفاً، بل شرطاً أولياً لاستمرار الحياة نفسها. ولا تتوقف رؤيتها عند حدود الحاضر، بل تمتد إلى التحديات الكبرى التي تلوح في الأفق. في كتاباتها الأخيرة، تلفت الانتباه إلى قضيتي الأمن المائي وأمن الطاقة كمعركتين مركزيتين في القرن الحادي والعشرين. فالمسألة لا تتعلق بتقنيات إدارة الموارد فحسب، بل بوجود الإنسان ذاته. كيف تضمن الدول محدودة الموارد حصتها في الماء لأجيالها المقبلة؟ وكيف تدخل عصر الطاقة المتجددة من دون الوقوع في فخ التبعية التقنية؟ بالنسبة إليها، تبدأ الإجابة من التعليم والإعلام معاً: تعليم يُنشئ وعياً بيئياً أصيلاً، وإعلام يُحوّل هذا الوعي إلى ممارسة يومية راسخة. بهذا المعنى، يغدو مشروع ميرفت إبراهيم أكثر من مجرّد تنظير أكاديمي؛ إنه رؤية إنسانية متكاملة تضع الكلمة في موقع الفعل، والتعليم في قلب التنمية، والاقتصاد في حضن الأخلاق. إنّه دعوة إلى أن نعيد التفكير في علاقتنا بالعالم: كيف نبنيه، وكيف نروي قصته، وكيف نحمي مستقبلنا. الجواب، كما ترى الدكتورة ميرفت إبراهيم، يبدأ من حيث تتقاطع المعرفة مع الوعي: من التعليم والإعلام معاً. فالتعليم الذي يزرع في النفوس وعياً بيئياً جديداً، لا يكتفي بإعداد أفراد لسوق العمل، بل يهيئ أجيالاً قادرة على إدراك علاقتها بالطبيعة ومسؤوليتها تجاهها. أما الإعلام، فدوره أن يحوّل هذا الوعي إلى ممارسة يومية، إلى ثقافة تتسلل إلى تفاصيل الحياة، فلا يبقى الحديث عن البيئة مجرد شعارات، بل يتحول إلى سلوك جماعي يشكّل ضمير المجتمع. هنا تبرز الجامعات باعتبارها أكثر من مؤسسات مانحة للشهادات. فهي، في نظر ميرفت، فضاءات تفكير تُعيد صياغة علاقة المجتمع بذاته، مختبرات حقيقية للواقع، حيث يلتقي العلم بالتطبيق، والاقتصاد بالثقافة، والهندسة بالهوية. الجامعات التي تكتفي بإلقاء المعارف الجامدة تفقد رسالتها، أما تلك التي تفتح للطلاب أبواب التجربة الحية وتعرّفهم بالاستدامة لا كمصطلح بل كأسلوب حياة، فهي التي تساهم في بناء مجتمع قادر على حماية نفسه من أزمات المستقبل. وإذا ما نظرنا إلى مشروعها من زاوية أخرى، وجدنا أنّ الاستدامة عندها لا تقف عند حدود البيئة أو الاقتصاد، بل تمتد إلى السياحة والذاكرة الشعبية. فما جدوى مدينة ذكية تخسر روحها وتاريخها في زحمة العولمة؟ الاستدامة الحقيقية، كما تقول، هي أن تحافظ المدن على تراثها، على نسيجها الرمزي الذي يجعلها أكثر من جغرافيا صامتة. فالمكان، بلا ذاكرة، يصبح فراغاً بارداً. والإنسان، بلا انتماء، يفقد جذوره ويستحيل رقماً عابراً. لذا ترى أنّ حماية الذاكرة الشعبية ليست ترفاً، بل ضرورة نفسية واجتماعية تمنح الإنسان شعور الانتماء وتمنح المدينة روحها الخاصة. هوية تتجاوز الأزمات ميرفت إبراهيم لا تدعو إلى إصلاحات مجتزأة هنا وهناك، بل إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على ثلاثة أعمدة كبرى: التعليم الذي يفتح آفاق الوعي، والإعلام الذي يحمي الضمير الجمعي من التلوث الفكري والرقمي، والمؤسسات التي تتحمّل مسؤوليتها المجتمعية في دفع عجلة التنمية المستدامة. إنها رؤية تضع الإنسان في قلب المعادلة: فرداً وجماعة، دولةً ومجتمعاً، إنساناً وطبيعة. في عالمٍ يثقل كاهله تعدد الأزمات المناخية والاقتصادية والصحية، يبدو هذا المشروع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالأمم التي لا تملك بوصلة أخلاقية ولا رؤية تربوية وإعلامية واضحة، سرعان ما تجد نفسها أسيرة العشوائية وضحية للأزمات. وحين نقرأ ميرفت إبراهيم، لا نقف أمام باحثة أكاديمية تُسجّل نتائج في دفاتر البحوث، ولا أمام ناشطة بيئية تسعى إلى لفت الأنظار، بل نصغي إلى صوت يحاول أن يعيد ترتيب الفوضى، أن يستعيد المعنى من بين ركام التحديات. إنها تستعمل الكلمة لا كزينة للخطاب، بل كجسر يربط بين العلم والذاكرة، بين الاقتصاد والوجدان، بين الحاضر المتخم بالأزمات والمستقبل الذي ما زال قابلاً للصياغة. ولعل العبارة التي دوّنتها في كتابها الأخير "دور الإعلام في بناء مستقبل صحي مستدام" تختصر مسيرتها كلها: "الإعلام يمكن أن يكون جسراً لا حفرة، أملاً لا تهديداً". فالكلمة، حين تصدر عن نية إنسانية صادقة، قادرة على إنقاذ العالم من الغرق في صخب بلا معنى، وقادرة على أن تحوّل القلق إلى طاقة، والخوف إلى وعي، والعزلة إلى فعل مشترك. وهكذا، في زمن يفتقر أحياناً إلى البوصلة، تبدو مبادرات كهذه علامة مضيئة على أنّ المستقبل ليس قدراً مظلماً يُسلَّم به، بل احتمالٌ يُصاغ ويُعاد تشكيله كل يوم. شرط ذلك أن نمتلك الجرأة على التعليم المستدام، والإعلام المسؤول، والاقتصاد الأخلاقي. والأهم، أن نؤمن بأنّ الإنسان ـ لا الربح ولا التكنولوجيا وحدها ـ هو الغاية والوسيلة معاً.
صوت الدكتورة ميرفت إبراهيم، الباحثة في الإعلام والإستدامة