حين تُوظَّف العبادة لخدمة السياسةالخلاف في إثبات الأهلة.. بين الشريعة الغرّاء والأيديولوجيات العمياء

المقدمة
في كلِّ عام، مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يُطلُّ علينا مشهدٌ بات مألوفاً ومؤلماً في آنٍ واحد؛ مشهد التفرُّق والاختلاف في تحديد أول الشهر الكريم. وقد يسارع كثيرون إلى تفسير ذلك الاختلاف بأنه خلافٌ فقهي أصيل؛ فريقٌ يتمسَّك بالرؤية البصرية، وفريقٌ يعتمد الحساب الفلكي، وثالثٌ يتحدَّث عن اختلاف المطالع. غير أن المتأمِّل في حقيقة ما يجري يدرك أن هذه التفسيرات ليست سوى واجهةٍ جميلة تُخفي وراءها محرِّكاً أقلَّ نبلاً وأكثر دنيويةً بكثير.
السياسة تُلبِس ثوب الدين
الحقيقة المُرَّة أن كثيراً مما يُصوَّر على أنه خلافٌ شرعي حول إثبات دخول الأهلة ما هو في جوهره إلا امتدادٌ طبيعي لحروب الأيديولوجيات والمحاور الإقليمية. فمنذ أن اشتعلت أتون الصراعات السياسية في المنطقة، وانقسمت الشعوب بين محاور متناحرة، انعكست هذه الانقسامات على أشد المجالات قداسةً وخصوصيةً وهو مجال العبادات. صار مَن يُوالي محوراً بعينه يصوم مع ذلك المحور ويُفطر معه لا لأنه تحرَّى الدليل الشرعي وتتبَّع الحق، بل لأن موالاته السياسية تقتضي ذلك. وصار التقويم الديني سلاحاً في يد الانقسامات الحزبية يُشهَر في وجه الخصوم لا أداةً تعبديةً تُقرِّب العبد من ربه.
ولو تأمَّلنا الخريطة التي يصوم فيها هذا الفريق ويُفطر فيها ذاك، لوجدنا أنها تكاد تتطابق مع خرائط التحالفات السياسية والمحاور الإقليمية المتصارعة. فمَن مع السعودية في سياستها مع السعودية في صيامها وفطرها، ومن مع قطر كذلك، ومَن مع تركيا أو مصر أو غيرهما كذلك. وهكذا ضاعت العبادة في خضم المعارك السياسية، ولاذت الحجة الشرعية بالصمت أمام صخب الانتماءات الحزبية.


الفرق الجوهري بين الأمر الإلهي وعقل الإنسان
ثمَّة خطٌّ فاصلٌ جليٌّ لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان، وهو الخطُّ الفاصل بين الأمور التعبدية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه الكريم ﷺ، وبين ما تنتجه عقول البشر من اجتهادات وحسابات ومصالح. فالعبادة في الإسلام قائمةٌ على الوحي قرآناً وسنةً لا على ما يبتكره العقل البشري مهما بلغ من الدقة والتطور. والحساب الفلكي وإن كان علماً نافعاً ومعرفةً مشروعة في محلِّها، فإنه لا يملك أن يُحلَّ محلَّ الدليل الشرعي في الأمور التعبدية التي نصَّ الشارع الحكيم فيها على طريقة بعينها.
وقد جاء النصُّ النبوي الشريف في هذا الباب واضحاً جليَّاً لا يحتمل لبساً: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين». فهذا النصُّ الجامع يُحدِّد الطريق ويرسم المعالم؛ فالرؤية هي المناط، والإكمال عند الغيم هو الحلُّ عند الاشتباه. وليس في هذا النصِّ موضعٌ لحساب فلكي ولا لقرار سياسي ولا لمحور إقليمي.
حين تضيع الشريعة في الضوضاء
المأساة الحقيقية ليست في الاختلاف ذاته، فالاختلاف الفقهي المبني على دليلٍ وإنصافٍ ومنهجٍ علمي رحمةٌ واسعة وسعةٌ مشروعة. المأساة أن يُصادَر الخلافُ الفقهي لخدمة الخلاف السياسي، وأن تُوظَّف العبادةُ لتعميق الشقاق بدل أن تكون جسراً للتواصل والتوحُّد. فحين يُعلن المرء موقفه الديني من دخول رمضان ويكون في الحقيقة يُعلن موقفه السياسي من هذا المحور أو ذاك، فإن ذلك يعني أن الدين بات وسيلةً لا غاية، وأداةً لا منهجاً.
وفي خضمِّ هذه الصراعات، يقف المسلم العادي حائراً يتساءل: لماذا يصوم مسلمو هذه البلاد في يومٍ ويصوم مسلمو تلك البلاد في يومٍ آخر؟ وماذا يفعل المسلم المقيم في بلادٍ غير إسلامية وهو يرى المسلمين من حوله منقسمين على أنفسهم؟ إن هذا المشهد المؤلم ليُفوِّت على الأمة فرصةً ثمينة للتوحُّد في شعائرها، ويُمنحها بدلاً منها مشهداً مُفرِّقاً يُفرح الخصوم ويُحزن الأحباب.
العودة إلى الوحي: الحلُّ الوحيد
الخروج من هذا المأزق لا يكون إلا بالعودة الصادقة إلى الوحي قرآناً وسنةً، وتجريد النية من كل حسابات السياسة والمحاور. فالمسلم الذي يريد أن يعبد الله حقَّاً ينبغي أن يسأل نفسه: هل موقفي من دخول هذا الشهر مبنيٌّ على الدليل الشرعي الصحيح، أم أن ولاءاتي السياسية هي التي تتحدَّث عبر لساني؟
والعلماء الربَّانيون المخلصون مدعوُّون اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى إلى رفع أصواتهم بوضوح، وأن يُبيِّنوا للناس أن الشريعة الإسلامية لا تعرف محاور ولا تحزُّبات، وأن أحكام الله تعالى المتعلقة بالعبادات لا تتأثر بمن انتصر في انتخابات ولا بمن غلب في صراعات جيوسياسية. العبادةُ لله وحده، وشعائره لا تُستعار لخدمة أحد.
إن الأمة الإسلامية في أمسِّ الحاجة إلى نفضِ غبار السياسة عن وجه الدين، والتحرُّر من ربقة الولاءات الأرضية التي أقعدتها عن الوحدة والتوافق في شعائرها. فرمضان ليس ملكاً لمحورٍ بعينه، والهلال لا يطلع وفق رغبة حزبٍ أو أجندة تيار، والله سبحانه وتعالى أجلُّ وأعظم من أن تُختزَل شريعته في صراعات الأرض وأهوائها. فلنعُد إلى الله، ولنُقرِّ بأن الوحي وحده هو الحَكَم، وما سواه هوى.
الشيخ عبدالحميد شاهين
امام مسجد فينسبو