غريب القرآن في شعر العرب ، الجزء الثامن عشر

المقدمة
" تبوّئ "
سأل نافع بن الأزرق عبد الله بن عباس عن معنى قول الله عز وجل في القرآن الكريم : " تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ " وهل تعرف العرب ذلك؟ فأجابه ابن عباس قائلاً : توطئ المؤمنين لتسكن قلوبهم ، أما سمعت الأعشى وهو يقول:
وما بوّأ الرّحمن بيتك منزلا ... بأجياد غربيّ الصّف والمحرّم


ومن تفسيرها في اللغة : تبوىء معناه : تعين لهم مقاعد يتمكنون فيها ويثبتون تقول : تبوأت مكان كذا، إذا حللته حلولاً متمكناً تثبت فيه، ومنه قوله تعالى : ﴿ نتبوأ من الجنة حيث نشاء﴾[الزمر:74]، بوَّأ الشَّخصَ منزلاً : أنزله وأحلّه فيه، بوّأه العرشَ: منحه السّلطة الملكيّة، وهذا اللفظ أصله في اللغة الرجوع إلى الشيء . قال تعالى : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[آل عمران:121] هذه الآية تنطوي على حكمة بليغة يُذَكر الله تعالى بها المؤمنين بوقعة أحد المشهورة في كتب السير، فوعدهم سبحانه أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم ورد كيد أعدائهم كما حدث في غزوة بدر ، ولما تركوا مقاعدهم التي ثبتهم بها النبي صلى الله عليه وسلم في أحد وكانت تليق بهم هُزموا ، قال السعدي : "حكمة الجمع بين القصتين أن الله يحب من عباده إذا أصابهم ما يكرهون أن يتذكروا ما يحبون ، فيخف عنهم البلاء ويشكروا الله على نعمه العظيمة التي إذا قوبلت بما ينالهم من المكروه الذي هو في الحقيقة خير لهم ، كان المكروه بالنسبة إلى المحبوب نزراً يسيراً" ، وهو حكم عام يفيض ثباتاً وبشرى بدلالة اللفظ "تُبوئ" فسر جماله في اللغة أنه يدل على الثبات والسكن؛ فالثبات على التقوى وطاعة الله ورسوله ، يورث المنزلة التي تليق بك في الدنيا والآخرة .
الدكتورة ميادة عكاوي
