غريب القرآن في شعر العرب ، الجزء الثالث والعشرون

المقدمة
" لتنوء "
سأل نافع بن الأزرق عبد الله بن عباس عن معنى قول الله عز وجل: " لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ " وإذا كانت العرب تعرف ذلك ؟ فأجابه ابن عباس قائلاً : لتثقل بالعصبة مفاتيح خزائن قارون، وهي في شعر العرب، أما سمعت امرأ القيس وهو يقول:
تمشي فتثقلها عجيزتها ... مشي الضّعيف ينوء بالوسق .

ومن تفسيرها في اللغة: نوأ: نهض بجهد ومشقة، وقيل: أثقل فسقط، والشيء إذا مال إلى السقوط تقول ناء ينوء، وإذا نهض في تثاقل يقال: ناء ينوء، فهو من الأضداد .
قال تعالى:﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾[القصص: 76] ذكرت السورة قصة قارون وماله الذي أصبح مثلاً سائراً لأعظم ثروة، ومفادها أن قارون كان من قوم موسى عليه السلام وآتاه الله كنوزاً عظيمة يثقل على جماعة الرجال الأقوياء حمل مفاتيحها، فما حمل شكرها ولا أدى حقها وإنما تكبر وطغى على قومه فهلك وسقط بها، سيقت القصة ليعتبر بها قوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذين كفروا به واغتروا بأموالهم التي لا تساوي شيء بجانب مال قارون، أشير إلى جمال اللفظ " تنوء" الذي انطوى على دلالة بليغة عجيبة فهو من الأضداد التي تحمل المعنى وضده؛ فيفيد أنه ينهض بجهد ومشقة، ويسقط من الثقل؛ ليلقي بظلاله على عبرة بليغة في حمل المال، إما أن تحمله بقوة مع مشقة الطاعة وتؤدي زكاته وحق المساكين وتنفقه في مرضاة الله، أو تنفقه في الباطل ولا تؤدي زكاته وتتكبر فتثقل عليك الطاعة و تسقط به، وتدبر دلالة اللفظ " تنوء" في كل عمل إما الحمل مع الطاعة، أو السقوط مع المعصية .
الدكتورة ميادة عكاوي
